راسم الاعسم
الشاعر عبد الزهرة عبد الرضا ، واحد من الاصوات الشعرية المتميزة ذات بصمة ابداعية تتجلى في منجزه الشعري المتمثل في مجموعتيه الشعريتين (هواء) و( ثقوب في قميص مستعار) .
لم يلهث وراء سراب الشهرة وبريقها الخاطف قد ما يسعى الى انضاج تجربته الشعرية على نار هادئة والارتقاء بها صوب افق اكثر ابدعاً ويسرنا ان نحاوره لتسليط الضوء على تجربته الادبية.
* هل لنا ان نقف على بداية مشواركم الادبي التي وضعتكم على طريق الشعر.
- بدأت القراءة وانا تلميذ في الصف الرابع الابتدائي ، كنت التهم كل ما يقع في يدي اياً كان ، في تلك المرحلة الطاعنة في الزمن والتي نلتها قرأت روايات تاريخ الاسلام لجرجي زيدان واميل حبشي الاشقر .
قرأت الف ليلة وليلة والمجلدات الضخمة التي تتحدث عن سيرة عنترة بن شداد وفيروز شاه وحمزه البهلوان وتغريبة بني هلال .
اضافة الى عشرات القصص البوليسية التي كان ابطالها ارسين لو بين وشرلوك هولمز ومايك هامر وغيرهم .
قرأت قصص الانبياء واشياء اخرى كثيرة.
اعتقد انها كانت قراءة عشوائية صاخبة لا ضابط لها ولا رقيب قد تكون غايتها في المحصلة النهائية المتعة وتزجية الوقت.
بدأت القراءة التي يمكن ان اعتبرها جادة بعض الجد في المرحلة المتوسطة .
قرأت احسان عبد القدوس ويوسف السباعي ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغيرهم.
كما قرأت ميشال زيفاكو وفكتور هيجو ومكسيم غوركي ودوستويفسكي وتشارلز ديكنز وبيرل باك وشارلوت برونتي وغيرهم .
وقد امضيت وقتاً طويلاً مع مجلة (الف باء) ومجلة “ الكلمة “ لصاحبها حميد المطبعي قرأت من خلالهما سعدي يوسف ويوسف الصائغ وفاضل العزاوي وفوزي كريم وغيرهم كما اني في هذه المرحلة والتي تلتها قرأت ما وقع بين يدي من دواوين الشعر العربي القديم والحديث على السواء .
اعتقد ان هذه هي البداية التي وضعتني على طريق الشعر وتركتني وحيداً أرعى النجوم .
* هل يسعى الشاعر الى محاكاة الواقع ام الاحتجاج عليه واعادة تشكيله من جديد؟
- يقول كونفوشيوس “ انا لا اتمنى ان اكون صانع هذا العالم ، منظر هذا العالم يفتت كبدي” .
ويقول مكسيم غوركي “ يقولون اني صرخت لحظة ولدت ، وانا اريد ان اؤكد انها كانت صرخة احتجاج“.
لا اعرف ما هي الفائدة من محاكاة الواقع.
هل يصح ان نبذل جهداً ووقتاً وفكراً من اجل انتاج المرض وتطويره وتنيمته؟!
على الشاعر ان يحتج على الواقع ويعيد تشكيله ، حتى يقع ميتاً !
* غالباً ما تتميز عوالمك الشعرية بانها عوالم صورية متخيلة ومفترضة ، ماذا تقول ؟
- لنتامل معاً المشاهد التالية :
دمعة على خد طفلة عمياء .
شاة ترقب جزاراً يشحذ سكيناً .
عصفور بين يدي طفل ينتفه ريشة .. ريشة .
رجل يغتصبون زوجته امامه ، او يذبحون ابنه .
الى اخره .. الى اخره ..
ماذا يفعل الشاعر عندما يريد ان يتعامل -مثلاً- مع موضوعات من هذا النوع ؟
انا شخصياً اميل الى دمج المتناقضات واللعب على وتر المفارقة مع العمل - قدر الامكان - وهو امر صعب - على ان يكون في القصيدة قوة تدمير وقوة تنظيم في ان واحد .
للمفردة عندي اهمية قصوى وابحث عن المناسبة منها بتأن وصبر ، والتي لا تضيف القي بها من نافذة القصيدة الى الشارع ولا أبالي .
النصوص التي يتوفر فيها الايجاز والتوهج والعنف والكثافة والتحدي والاحتدام اللغوي ، هي النصوص التي احب ان اكتبها وان اقرأ مثلها .
لا انفذ الى الموضوع مباشرة وانما ادور حوله والتف عليه ثم ادع شيئاً ما يخترقه.
قد اصرخ ولكن لا ادع القارئ يسمع ، لانه لو سمع صراخي فهذا يعني انني كتبت نصاً فاشلاً وعلي ان امزق الورقة واعتذر ، أنا اعمل على ان ادع القارئ يصرخ نيابةً عني!
لا اريد ان اطيل .
لا اعرف ان كان هذا ما تعنيه بأن عوالمي صورية ومتخيلة ومفترضة ، ام انك تقصد شيئاً اخر .
لا ادري .
*هل هناك تجارب شعرية محددة لشعراء عراقيين نالت اهتماك وجعلتك تقف امامها طويلاً ؟
- تجربة الشاعر “ احمد مطر” تعجبني كثيراً .
انه لم يضع وقته في الحديث عن الحبيب المدلل الذي تجرح خديه خطرات النسيم.
او في الحديث عن السيد الرئيس الذي دل الضوء على الطريق عندما اتاه الضوء.
انه يرى :
دماء مسفوكة على موزائك السماء.
دماء تتسلق الجدارن وتدق النوافذ.
اذان للحيطان وللحاكم آلاف الحيطان.
زعماء متخلفون يحصدون شعوبهم حصدا.
وشعوب هامدة ، خانعة ، خائفة ، وذليلة.
اعتقد بان احمد مطر اكتشف بان ليس جميع اللواتي تعرضن للاغتصاب في التاريخ - عبر العصور- كن حزينات !
او لم يقل المتنبي قديماً (( وما كل من سيم خسفاً ابى )).
لذا اعلن احمد مطر العصيان ، وفي الوقت الذي يطلق فيه النار على القاتل فانه يضع سلاحاً بيد الضحية ويعلمه الرمي.
احمد مطر فضح المستور ، صرخ بالسكوت عنه ، وانتدبته الكلمة الشريفة الصادقة والضمير الحي ، ، مدعياً عاماً لجمهورية المقهورين ، على حد تعبير جان بول سارتر وبتصريف انها وظيفة الشعر الحقيقية في الذود عن حياة صحيحة وصحية تليق بالانسان .
اوليس الانسان خليفة الله على الارض؟
تجربة الشاعر العراقي احمد مطر تعجبني كثيراً واقف امامها طويلاً ، وانا احبه .
* ماهو حجم الاضافة النوعية المتحققة ابداعياً التي اضافها ديوانك الشعري الجديد “ثقوب في قميص مستعار” الى مجموعتك الشعرية الاولى “ هواء” ؟
- اغلب ما كتبت كتبته ايام النظام السابق ، كنت اكتب نصوصي بحذر وبمكر وبالتفاف ذكي حول المعنى وبشروط قاسية وضعتها لنفسي هي ان لايؤثر كل هذا على المستوى الراقي والمثقف للنص الذي اكتبه .
كنت كالسائر بين قطرات المطر لئلا يتبلل على حد تعبير محمود درويش في وصفه لياسر عرفات .
مجموعة “ هواء “ صدرت وفيها من النصوص ( مالو اولها احدهم ) ما يقطع الرقبة ، الا انها فلتت باعجوبة .
هل تصدق اني لم انم لثلاثة ايام متتالية عندما نشرت قصيدتي “ صورة فوتوغرافية للنار” في جريدة “ المصور العربي “ وهي من صحف عدي كما هو معروف .
نشرها سلام داوي مسؤول الصفحة الثقافية بعد ان قام بتسليمها اليه المرحوم الصديق الشاعر كزار حنتوش .
كنت اتوقع في اية لحظة ان يدهمني زوار الفجر ويصدرونني الى المجهول .
الا ان الصديق الشاعر عبد الرحيم صالح الرحيم طمأنني قائلاً :
“ لا تخشَ شيئاً ، انهم لايقرأون ولا يكتبون !” .
ما اضافته مجموعتي الجديدة “ ثقوب في قميص مستعار” هو اني نشرت فيها قسماً كبيراً من النصوص التي لم اكن اجرؤ على نشرها او الحديث عنها في تلك الايام الرهيبة الا لاصدقاء معدودين .
ما اضافته ايضاً هي انها نمطت مساحة اوسع من تأملاتي في ا لحياة والتاريخ والزمن .
* اين تجد الشعر اليوم في ظل الثورة التكنلوجية والتقنية المتسارعة في عالمنا المعاصر ؟
- يكاد ان يكون الحب هو الموضوع الاساس للشعر منذ بدأ الشعر .
وقد ابدع الشعراء والناس ما ابدعوا .
اراغون - مثلاً- كتب ديواناً كاملاً عن عيون “الزا”.
اما في هذا الزمن ، زمن ثورة الاتصالات وانفجار المعلوماتية فأن “ دموع الحب جاهزة ومختومة بانواع القوارير” كما يقول محمود البريكان في قصيدته الرائعة “ في السقوط الجماعي” .
افتح كراس رسائل الموبايل وانتق ما شئت ثم اضغط على الزر ، ستصل رسالتك الى الحبيب في ثوان ، وسيبعث لك الحبيب بالرد بسرعة البرق ، وكفى الله العشاق شر القتال .
الانسان هذه الايام ساهٍ لاهٍ لا يقيم وزناً لشيء .
ورغم أني أعتقد بان الشعر في عصرنا الحالي يمر بأخطر مرحلة مربها في تاريخ البشرية ، الا اني لست خائفاً عليه ، فانا اظن بان الله خلق العالم في لحظة شعر ، والكون هو قصيدته الكبرى .
سيعود الشعر لانه لم يذهب ، وقد يحطم ولكنه لايهزم.
*هل لك ان تقرأ لنا بايجاز المشهد الشعري الديواني؟
- يؤسفني انني لا استطيع ان اقدم شيئاً مفيداً في هذا المجال ، فانا لا اعرف الكثيرين ممن يكتبون الان ولم اقرا لهم.
اما على صعيد السنوات الماضية فان اسماء مثل كزار حنتوش وعبد الرحيم صالح الرحيم وعلي الشباني ومهدي حارث الغانمي ويعقوب جواد ، اعتقد انها ستكون عصية على النسيان .
* ماذا يقرأ الشاعر عبد الزهرة عبد الرضا الان ؟
- اقرأ هذه الايام في كتاب “ ما بعد ذهنية التحريم “ للدكتور صادق جلال العظيم .
كما اني في ذات الوقت اقرأ في الجزء الثاني من “ لمحات من تاريخ العراق الحديث “ للدكتور علي الوردي ، وهي قراءة ثانية للكتاب .
* كلمة اخيرة :
وهم في طريقهم الى الجحيم
يركضون
ويلهثون
ويدفع بعضهم بعضاً !
ربما لانهم يودون الحصول
على مقاعد امامية !