العام الخامس   
المـقالات والاراء المنـشورة لا تعـبر بالضرورة عن رأي الجريدة وانـما عن وجهات نظر كتابها حصرا.... لا تـعاد المواد سواء نـشرت أم لم تـنـشر.... تـقـبل الاعلانات في مكـتب الجريدة او لدى مخوليـنا الرسميـين
جبار هادي الطائي
الحداثة والتحديث مصطلحان جديدان باتا يشكلان خطرا على ادبنا العربي عموما والشعر خصوصا اذا ما اسيء استعمالهما وخصوصا بعد الدعوات المحمومة اليها دون وعي او ادراك المسؤولية التاريخية والادبية لدعواتهم ابتداء بالتخلص من هيكل القصيدة العربية انتهاء بارتداء الشعر رداء الغرب صابين نقماتهم على ايقاع القصيدة العربية وانغامها المتزنه وتكمن الخطورة في كيفية التعامل مع حيثيات التحديث والابتعاد كليا عن الاصل ظانين ان شجرة البلوط تسمق دون سيقان او جذور او ارضية خصبة تتوفر فيها شروط النمو وكذلك كيفية التعامل مع النص كوحدة موضوعية واحدة مترابطة الاجزاء غير مفككة والقصيدة النثرية pome en prise كما جاء في الاصل عن اللغة الفرنسية المشاع خطا (قصيدة النثر) لدينا والتي تزاوج بين الشعر والنثر للوصول الى حالة من السمو والارتقاء في اللغة الموجزة والمعنى الدقيق والصور الخلابة وهي احدى المصطلحات الحداثوية التي اسيء التعامل معها بسبب عدم معرفة اصول اللعبه تماما وهذا لا يعني بخسا لحقوق الذين اجادوا التعامل معها عربيا دون الاساءة للغة والمعنى و(القصيدة النثرية) عند الفرنسيين تمتاز بالايجاز والوحدة الموضوعية والاستقلالية في تكوين عوالم قائمة بنفسها ويتوجب على من يخوض غمارها ان يزاوج بين (اللغة والمعنى) لتوليد تراكيب جديدة مشحونه بتيار خفي توهم القاريء وتحمله الى عالم غرائبي ليصل الى حالة الدهشة في تحويل ما هو غير مالوف ولكن دون تشويه للصور الفنية اجاد ممارسته (ادونيس) ويعود سبب ذلك الى ثقافته ومعرفته باللغتين العربية والفرنسية ومقدرته العاليه في رسم صور دقيقة موجزة:
(في المنفى تولد النبوات
لكن ما اسهل ان توضع قبعة نبي
على راس افاك
ما اسهل ان توضع قبعة افاك
على راس التاريخ
زمن
غسق هائل من رؤوس البشر)
ان قراءة عابرة لما جاء في بعض النصوص (النثرية المشعورة الحداثوية) نجد العديد من المشكلات قد استفحلت بين شرايينها اصابت رحمها بالعقم لا سيما التقليد العشوائي لنماذج اجنبيه معتمدين على ترجمتها حرفيا وخصوصا عندما تقع بين ايدي مترجمين ليست لهم علاقة بالشعر فحينما تقرا نتاجهم كانك تقرا نصوصا ترجمت عن لغة اخرى ولم تكتب اصلا باللغة العربية وبين يدي الان انموذجان يمثلان نصين لكاتبين مختلفين متشابهينم من حيث اسلوب كتابة النص اعتكزا على الحداثة دون ادراك ما سيترتب على ذلك من دهاليز لا يستطيعان الخروج منها سوف اتناول النصين من زاوية واحدة هي (التكرار اللفظي الموغل) انها جاءت في بداية كل سطر مما يؤدي الى تشظي النص وحدوث حالة من الارباك
الانموذج الاول )(لانك هكذا دائما) لـ(محمد الفرطوسي) حيث كرر لفظة (مثل) في بداية كل سطر ثلاثين مرة في نص مكون من اربعة وثلاثين سطرا كذلك استخدامه لفظه (اي - اية) تسع عشرة مرة بعد لفظة (مثل) مباشرة مما احدثا تفككا وارباكا بين مفردات النص وبالتالي يؤدي الى فصل العبارات بعضها عن البعض الاخر مختتما نصه بعبارة (سوف اعيرك قتلي- لانك هكذا دائما).
ويمكن ابدال هذه العبارة باية عبارة اخرى دون ان يشعر المتلقي بذلك لان لا شيء مما سبقها يدلل عليها ولو اتيحت لكاتب النص ان يعيد صياغة عباراته مرة اخرى دون تكرار موغل للفظتي (مثل -اي) لخرج بنص معافى:
(مثل اية سماء تحترق بالفراشِات
مثل اية بلدة تطفو فوق جدار امسها
مثل اية ليلة كان ينقصها كل شيء للانتظار
ثل اية عاصفة ارتبكت امام النافذة الوحيدة
مثل اي طريق لا توصل بين سمائين
مثل اية امراة تتهم الخريف دائما بالربيع
...الخ
الانموذج الثاني (تمثال نصفي لجسر الصرافية) لـ(حسن عبد راضي) كرر كاتب النص لفظة (مثل) اثنتين وعشرين مرة من نص مكون من اربعة وعشرين سطرا معتمدا على طريقة التكرار ذاتها التي استخدمها (محمد الفرطوسي) في نسج عباراته واذا ما شطبنا العنوانين واسمي كاتبي النصين وقرانا النصين قراءة متواصلة او مزجنا بين العبارات نجد انهما عبارة عن سطور متشابهة من ناحية الصياغة ونسج العبارة مبتداه جميعها بلفظة (مثل) يقول حسن عبد راضي):
(مثل ليلة ارق
مثل زرقه غير ناضجة
مثل صباح مسمول
مثل عاقر تنسج طفلا من طين
مثل مجهولين يدفنون في ارض ميته
مثل عصافير تئن
...الخ
فلا رابط مشترك بين عبارة واخرى مختتما نصه بعبارة )عزيز جسر الصرافيه - تمثالك النصفي لا يشبه شيئا) ويمكن استبدال هذه الختامية بختامية (محمد الفرطوسي) - (سوف اعيرك قتلى لانك هكذا) لان النصين متشابهان من حيث الصياغة الايغالية التكرار للفظة (مثل) مفككة العبارات وهذا غير مالوف في ادبنا العربي ابتداء بـ(امريء القيس) انتهاء بـ(.....) الا اننا يمكن ان نعثر عليه في الاداب الاجنبية فالشعر الانجليزي مليء بذلك ففي قصيدة (السماء زوجتي) لـ(جوان اشي) يكرر الشاعر لفظة (السماء) من بداية القصيدة الطويلة حتى نهايتها:
(السماء زوجي
السماء زوجتي
السماء وطني وبلائي
السماء سربي من الطيور وقيثاري
السماء مطبخي وسكاكيني
...الخ
وفي قصيدة (ثغاء) للشاعر (بيتر فينج) نجده قد كرر اداة الاستفهام (هل) في بداية كل سطر شعري من بداية القصيدة حتى نهايتها:
(هل انكلترا خضراء
هل يصل الغد قريبا
هل الحب وهم
هل السكون صمت
هل الوقت مضبوط
هل الاسود لون
...الخ
ان الذائقة الشعرية العربية وتناغم مفرداتها وسبك عباراتها عند تركيبها مع بعضها البعض في نسيج شعري يختلف عما هو عليه في الاداب الاجنبية لان الارضية الشعرية خصبه لا تنبت فيها البذور الفاسدة فانها تموت عند غرسها او تولد كسيحة ولهذا السبب ولغيره من الاسباب لا يمكن الاعتماد على الانموذج الحداثوي المستورد كمصدر تاثير وصبه في القارورة العربية لان المختبرين مختلفان اما الانموذجان اللذان بين ايدينا ربما يريد كاتباهما ان يؤسسا لمدرسة شعرية جديدة تضاف الى المدارس الحداثوية التي ولدت منتصف القرن الماضي مثل (قصيدة البياض، النثر المشعور، الشعر المنشور، اللاشعر واللانثر.. وغيرها) وهذا لا يعني ان كل تكرار لفظي في النص الشعري عبء عليه فاذا كان نابعا من وعي ادبي عميق دون اسهاب وايغال لا يؤثر على سلامة النص وجودته لا ضير في ذلك والامثلة كثيرة لا مجال لذكرها اكتفي بانموذج واحد للشاعر مهدي حارث الغانمي فقد كرر لفظة (لا) الناهية الجازمة سبع مرات في نص شعري مموسق الا انها لم تحدث خللا داخل البناء الفني للنص بل اكسبته نكهة اضافية (لا ترفع - لاتامن - لا تتخذ - لا تامن - لا تبتسم - لا تقترب - لا تكترث) ويمكن لي ان اقول ان التكرار الموغل للفظة الواحدة داخل النص الشعري قد سبب ولادة مشوهة لنص كسيح يسيء الى سمعة الادب العربي واصالته.
Copyright: www.aldiwaniya.net ©
Designed by: www.smjweb.de